أبي طالب المكي
130
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
عليه . لأنه واحد لواحد ، مفرد لفرد . فاعتبروا يا أولي الألباب بتدبر فهم الخطاب ، فمن أعطي من الصفاء نصيبا أعطي من الحب نصيبا ، وكان له من المعرفة بقوة محبته ، ومن المعرفة بقدر معرفته . فأما المعرفة الأصلية التي هي أصل المقامات ومكان المشاهدات ، فهي عندهم واحدة ، لأن المعروف بها واحد والمتعرّف عنها واحد ، إلا أن لها أعلى وأول . فخصوص المؤمنين في أعلاها وهي مقامات المقرّبين ، وعمومهم في أولها وهي مقامات الأبرار ، وهم أصحاب اليمين . ولكل منهم وجهة من الصفات المخوفة عنها كانوا خائفين ، أو الأخلاق المرجوّة منها كانوا راجين ، أو الأفعال والأملاك عندها كانوا صابرين شاكرين ، أو معاني أوصاف ذات منها كانوا محبين متوكَّلين . قال الله سبحانه وتعالى : * ( ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) * [ البقرة : 148 ] ، ويقال من أحب شيئا حشر معه . وفي الخبر : المرء مع من أحبّ وله ما احتسب . وفي الخبر : من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة . فأما جمل مقامات المحبين فمذكورة في الكتاب العزيز . من الحبيب اثني عشر مقاما : خمس في دليل الخطاب وتدبّر الألباب ، وسبعة في صريح الكلام بظاهر الأفهام . فأمّا السبع المصرحة فقوله عزّ وجلّ : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) * [ البقرة : 222 ] . * ( والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) * [ آل عمران : 146 ] . والله يُحِبُّ الشَّاكِرينَ [ آل عمران : 144 ] ، والله * ( يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * [ آل عمران : 76 ] ، * ( والله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * [ آل عمران : 134 ] ، والله * ( يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [ آل عمران : 159 ] وأما الخمسة المتدبرة فهم الموحدون لقوله : لا يحبّ الكافرين والعادلون . لقوله : لا يحب الظالمين والمستقيمون . لقوله : لا يحب الفاسقين والمتواضعون . لقوله : لا يحبّ المستكبرين والموفون . لقوله : لا يحبّ الخائنين وهؤلاء طبقات المحبوبين تعريضا وتصريحا . وشرح هذه الأوصاف هي مقامات اليقين ، وفي كل مقام من هذه أحوال يكثر عددها . كل حال منها طريق إلى الله عزّ وجلّ . في كل طريق طائفة من المحبين ، محبتهم على قدر معرفتهم ومعرفتهم على زنة تعرف المعروف إليهم ، وعن نحو تعريف المعروف لهم . وذلك معنى من معارفهم . فهم على زنة يقينهم ، ويقينهم على حسب صفاء إيمانهم . وإيمانهم على نحو عناية الله بهم وتفضّله عليهم وإيثاره لهم . ومن وراء ذلك سرّ القدر المختزن المستأثر . وليس فوق المحبة مقام مشهور ، ولا دون التوبة حال مذكور . فأول المقامات التوبة ، يخرج بها من الظلم والظلم حال من الشرك . قال الله تعالى : * ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * [ لقمان : 13 ] ، وقال الله تعالى : * ( الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ ) * في الدُنْيَا [ الأنعام : 82 ] ، وهذا فصل